فصل: تفسير الآيات (92- 105):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعلبي



.تفسير الآيات (79- 91):

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)}
{الذين يَلْمِزُونَ المطوعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} قال أهل التفسير: «حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف فجئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، فأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت».
فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى مات وعنده امرأتين يوم مات فبلغ ثمن مالهما مائة وستون ألف درهم لكل واحدة منهما ثمانون ألفاً، وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وستين وسقاً من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحباب بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بتُ ليلتي أجرّ بالجرير أحبلا حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاّ رياء، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يزكي نفسه ليعطي الصدقة فأنزل الله عزّ وجلّ: {الذين يَلْمِزُونَ} أي يعيبون ويغتابون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات.
وقال النضر بن شميل: هو الطيب نفسه في الصدقة يعني عبد الرحمن وعاصم.
{وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} طاقتهم يعني أبا عقيل. قرأ عطاء والأعرج: جهدهم بفتح الجيم، وهما لغتان مثل الجهد والجهيد، والضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد.
وكان الشعبي يفرق بينهما فيقول الجُهد: في العمل والجَهد في القوة، وقال القتيبي في الجُهد: الطاقة والجَهد المشقة {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ} أو جازاهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
روى ابن عليّة عن الحريري عن أبي العليل قال: «وقف على الحجر رجل فقال: حدثني أبي أو عمّي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من يصّدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة». قال: وعليَّ عمامة لي فنزعت منها لوثاً أو لوثين لأتصدق بها ثم أدركني بما يدرك ابن آدم فعصّبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصر قامة ولا أشدّ سواد ولا أَدم منه يقود ناقة لم أرَ بالبقيع ناقة أحسن ولا أجمل منها. فقال: هي وما في بطنها صدقة يا رسول الله، فألقى إليه بخطامها قال: فلمزه رجل جالس فقال: والله لِمَ يتصدق بها ولهي خير منه. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «بل هو خير منك ومنها»، يقول ذلك ملياً فأنزل الله عزّوجل هذه الآية ثم قال: {استغفر لَهُمْ} يعني لهؤلاء المنافقين {أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لفظه أمر ومعناه جزاء تقديره: إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} والسبعون عند العرب غاية تستقصا بالسبعة، والأعضاء، والسبعة تتمة عدد الخلق، كالسموات والأرض والبحار والأقاليم.
ورأيت في بعض التفاسير: إن تستغفر لهم سبعين مرّة بأزاء صلواتك على قبر حمزة لن يغفر الله لهم.
قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّ الله قد رخّص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم».
فأنزل الله عزّ وجلّ: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6].
وذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أُبي حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضّوا من حوله، ثمّ قال: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8]. فأنزل الله تعالى {استغفر}. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6] فأبى الله أن يغفر لهم {ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين * فَرِحَ المخلفون} عن غزوة تبوك {بِمَقْعَدِهِمْ} بقعودهم {خِلاَفَ رَسُولِ الله} قال قطرب والمؤرخ: يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا، وقال أبو عبيدة: يعني بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنشد الحرث بن خالد:
عقب الربيع خلافهم فكأنما ** بسط الشواطب بينهن حصيرا

أي بعدهم، ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} يعلمون ذلك، هُو في مصحف عبد الله {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} في الدنيا {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن من دموعهم لجرت، ثمّ إنهم ليبكون الدم بعد الدموع ولمثل ماهم فيه فليبكي.
وقال ابن عباس: إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال أنس: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيراً كثيراً {فَإِن رَّجَعَكَ الله} رجعك الله من غزوة تبوك {إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} يعني من المخلّفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلّف عن تبوك كان منافقاً {فاستأذنوك} في أن يكونوا في غزاة أخرى {فَقُلْ} لهم {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} عقوبة لهم على تخلّفهم {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ} بمعنى تخلّفوا عن غزوة تبوك {فاقعدوا مَعَ الخالفين} قال ابن عباس: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر.
الضحاك: النساء والصبيان والمرضى والزمنى، وقيل: مع الخالفين. قال الفراء: يقال: عبد خالف وتخالف إذ كان مخالفاً، وقيل: ضعفاء الناس ويقال: خلاف أهله إذ كان ذويهم، وقيل مع أهل الفساد من قولهم: خلف الرجل على أهله يخلف خلوفاً إذ فسد، ونبيذ خَالِفٌ أي فاسد من قولك: خلف اللبن خلوفاً إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فَمُ الصائم إذا تغيَّرت ريحه، ومنه خلف سوء، وقرأ مالك بن دينار: مع المخالفين.
{وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} قال المفسرون بروايات مختلفة: بعث عبد الله بن أُبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أهلكك يهود، فقال: يارسول الله إني لم أبعث اليك لتؤنبني ولكن بعثت اليك لتستغفر لي وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه، فلما مات عبد الله بن أُبي إنطلق ابنه إلى النبي عليه السلام ودعاه إلى جنازة أبيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك؟» قال: الحباب بن عبد الله فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت عبد الله بن عبد الله، فإنَّ الحباب هو الشيطان». ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله تصلي على عدو الله ابن أُبي القائل يوم كذا وكذا، وجعل يعد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال: «عني يا عمر إنما خيرني الله فاخترت، قيل لي {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} هو أعلم فإن زدت على السبعين غفر له؟؟ ثم شهَّده وكفَّنه في قميصه ونفث في جنازته ودلاه في قبره».
قال عمر رضي الله عنه: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ يسيراً حتى نزلت {وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} {وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ} أي لا تصلي على قبره بمحل لا تتولَّ دفنه: من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره.
{إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، وعُيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يُسلم به ألف من قومه».
قال الزجاج: فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الإستغفار بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أسرّ إلى حذيفة أثني عشر رجلا من المنافقين فقال ستة يكفيهم الله بألف مائة شهاب من نار تأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً. فسأل عمر حذيفة عنهم فقال: ما أنا بمخبرك أحدٌ منهم ما كان حياً. فقال عمر: يا حذيفة أمنهم أنا؟ قال: لا. قال: أفي أصحابي منهم أحد. فقال: رجل واحد. قال: قال: فكأنما دلّ عليهم عمر حتى نزعه من غير أن يخبره به.
{وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا} الآية {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بالله وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} الغني منهم جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأمثالهما {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين} ورحالهم {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} يعني النساء {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وأولئك لَهُمُ الخيرات} يعني الحسنات.
وقال المبرد: يعني الجواري الفاضلات. قال الله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70] واحدها الخيرة وهي الفاضلة من كل شيء. قال الشاعر:
ولقد طعنت مجامع الربلات ** ربلات هند خير الملكاتِ

{وأولئك هُمُ المفلحون * أَعَدَّ الله لَهُمْ} الآية {وَجَآءَ المعذرون} قرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والضحاك وحميد ويعقوب ومجاهد وقتيبة: المعذرون خفيفة، ومنهم المجتهدون المبالغون في العذرة، وقال الضحاك: «هم رهط عامر بن الطفيل تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك خوفاً على أنفسهم فقالوا: يا رسول الله إن نحن غزونا معك تُغِيرُ أعراب طيّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنيني الله عنكم».
قال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الميم لا تدغم في العين، وقرأ مسلمة: المعذرون بتشديد العين والذال ولا وجه لها لأن الميم لا يدغم في العين لبعد مخرجيهما، وقرأ الباقون: بتشديد الذال، وهم المقصرون.
يقال: أعذر في الأمر بالمعذرة وعذر إذا قصر.
وقال الفراء: أصله المعتذر فأُدغمت التاء في الذال وقلبت حركة التاء إلى العين.
{وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله} قراءة العامة بتخفيف الذال يعنون المنافقين، وقرأ أُبي والحسن: كذبوا الله بالتشديد {سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم ذكر أهل العذر فقال: {لَّيْسَ عَلَى الضعفآء} قال ابن عباس: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة {وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} يعني الفقراء {حَرَجٌ} إثم {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} في مغيبهم {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

.تفسير الآيات (92- 105):

{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)}
قال قتادة نزلت في عايد بن عمرو وأصحابه، وقال الضحاك: في عبد الله بن زايد وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير البصر خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي فائدة هل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} نزلت في البكائين وكانوا سبعة: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وهو الذي واقع امرأته في رمضان فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفّر وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلبة بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن الله عزّ وجلّ قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فتولوا وهم يبكون فذلك قوله تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} قال مجاهد: نزلت هذه الآية في عبد الله وعبد الرحمن وعقيل والنعمان وسويد وسنان: {إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ} الآية {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أن نصدّقكم {قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من المحسن والمسيء {سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم} انصرفتم {إِلَيْهِمْ} عندهم {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} لتصفحوا عن جرمهم ولا تردونهم ولا تؤنبونهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} ودعوهم وما اختاروا لأنفسهم من الشأن والمعصية {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} نجس، قال عطاء: أن عملهم نجس {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قال ابن عباس: «نزلت في جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قدموا المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم».
وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أُبي حَلَف النبي صلى الله عليه وسلم بالذي لا إله إلاّ هو أن لا يرضى عنهم بعدها، وليكون معه على عدوه وطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين * الأعراب} يعني أهل البدو {أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} من أهل الحضر {وَأَجْدَرُ} أحرى وأولى {أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال قتادة: هم أقل علماً بالسنن.
وروى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو مع أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي: والله ما أدري إن حديثك ليعجبني وإنَّ يدك لترعبني فقال: أي يد من يدي إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله {الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} الآية {وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} قال عطاء: لا يرجو على إعطائه ثواباً ولا يخاف على إمساكه لها إنما ينفق خوفاً رياءً {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر} يعني صروف الزمان التي تأتي مرّة بالخير ومرّة بالشرّ. قال: أن متى ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء} قرأ ابن كثير وابن محصن ومجاهد وأبو عمرو بضم السين ههنا وفي سورة الفتح، ومعناه الشر والضر والبلاء والمكروه، وقرأ الباقون على الفتح بالمصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم في هذه الآية {مِّنَ الأعراب} أسد وغطفان وتميم واعراب حاضري المدينة ثم استثنى فقال: {وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وقال الضحاك: يعني عبد الله ذا النجادين ورهطه.
وقال الكلبي أسلم وغفار بنو جهينة {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله} جمع قرابة {وَصَلَوَاتِ الرسول} يعني دعاءه واستغفاره {ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ * والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين} الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم {والأنصار} الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وأيّدوا أصحابه وقد كانوا آمنوا قبل أن يهاجروا إليهم بحولين {والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ} يعني الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة.
وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين بالوفاء والترحّم والدعاء ويذكرون مجاورتهم ويسألون الله أن يجمع بينهم.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين، قال له أُبيّ بن كعب: إنما هو والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وإنه قد كرّرها مراراً ثلاثة، فقال له: إني والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان، وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد، قال: حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأُبيّ: أفيهم الأنصار؟ قال: نعم ولم يستأ من الخطاب ومن ثمّ قال عمر: قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي: بلى، تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} [الجمعة: 3] إلى آخره وقوله تعالى: {والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] إلى آخر الآية، وقوله: {والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ} [الأنفال: 75]، وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: {والأنصار} رفعاً عطفاً على السابقين ولم يجعلوهم منهم وجعلوا السبق للمهاجرين خاصة والمقاسة على الخبر نسقاً على المهاجرين.
واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم. فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلّوا القبلتين جميعاً.
وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدراً.
وقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان.
واختلفوا أيضاً في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم أنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّقته. فقال بعضهم: أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلّى معه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة الرأي وأبي حازم المدني.
وقال الكلبي: أسلم علي وهو ابن تسع سنين، وقال مجاهد وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان نعمة الله على علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله للعباس وكانا من أيسر بني هاشم: «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه».
فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله وجهه فضمّه إليه وأخذ العباس جعفراً يضمّه إليه فلم يزل علي رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيًّا فاتبعه علي رضي الله عنه.
فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس ذ حتى أسلم واستغنى عنه.
وروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال: كنت أمرءاً تاجراً فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب وكان العباس لي صديقاً وكان يختلف إلى اليمن يشتري القطن فيبيعه أيام الموسم، فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فلبث مستقبلها، حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة فخرّ الشاب ساجداً فسجدا معه فرفع فرفع الغلام والمرأة فقلت: يا عباس أمرٌ عظيم فقال: أمرٌ عظيم.
فقلت: ويحك ما هذا؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله تعالى بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذا الغلام ابن أخي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمد قد تابعاه على دينه، ما على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء.
قال عبد الله الكندي بعدما رسخ الإسلام في قلبه: ليتني كنت رابعاً. فيروي أن أبا طالب قال لعلي رضي الله عنه: أي بني ما هذا الذي أنت عليه قال: آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء وصليت معه لله. فقال له: أما أن محمداً لا يدعو إلاّ إلى خير فالزمه.
وروى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عبّاد بن عبد الله قال: سمعت عليًّا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كذاب مفتر، صلّيت قبل الناس بسبع سنين.
وقال بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر رضي الله عنه وهو قول إبراهيم النخعي وجماعة يدلّ عليه ما روى أبو أمامة الباهلي «عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله من تبعك في هذا الأمر؟ قال صلى الله عليه وسلم: اتبعني رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال» فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتي إذ ذاك ربع الإسلام.
قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله البدخشي يقول سمعت أبا هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت غياث بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: عن إسماعيل بن خالد عن الشفهي قال: قال رجل لابن عباس: مَن أول الناس إسلاماً قال: أبو بكر رضي الله عنه أما سمعت قول حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ** فاذكر أخاك أبابكر بما فعلا

خير البرية أزكاها وأعدلها ** بعد النبي وأوفاها بما حملا

الثاني التالي المحمود مشهده ** وأول الناس منهم صدّق الرسلا

قال بعضهم: أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي جمع بين الأخبار فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلا مؤالفاً لقومه محباً سهلا وكان أنسب قريش لقريش، أعلم قريش بها وبما كان منها من خير أو شر، وكان رجلا ناجياً ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يهابونه ويأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الاسلام من المهاجرين.
فأما سبّاق الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى فكانوا سبعة، والثانية كانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد الدار فعلّمهم القرآن، فهو أول من جمع الصلاة بالمدينة وكانت الأنصار تحبه فأسلم معه سعد بن معاذ وعمرو بن الجموح وبنو عبد الأشهل كلهم وخلقٌ من النساء الصبيان، «وكان مصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد وكان وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حيث انهزم الناس، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفذت المشاقص في جوفه، فاستشهد يومئذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند الله أحتسبه ما رأيت قط أشرف منه لقد رأيته بمكة وإن عليه بردين ما يدري ما قيمتهما وإنّ شراك نعليه من ذهب، وإنّ عن يمينه غلامين وعن يساره غلامين بيد كل واحد منهما جفنة من طعام يأكل ويطعم الناس، فآثره الله بالشهادة».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُهديت إليه طرفة حناها لمصعب بن عمير فأنزل الله تعالى فيه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40] الآية، وأُخذ أخوه يوم بدر أسيراً فقال: أنا أبو غدير بن عمير أخو مصعب فلم يشدد من الوثاق مع الأسرى وقالوا: هذا الطريق فاذهب حيث شئت، فقال: إني أخاف أن تقتلني قريش فذهبوا به إلى [...] فيمدّ يده بالخبز والتمر وكان يمدّ يده إلى التمر ويدع الخبز، والخبز عند أهل المدينة أعزّ من التمر، والتمر عند أهل مكة أعزّ من الخبز فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير وقالوا له: أخوك عندنا وأخبروه بما فعلوا به. فقال: ما هو لي بأخ ولا كرامة، فشدّوا وثاقه فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليًّا فأرسلت أمه في طلبه ثمّ أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير. قال في نفسه: والله لا يقتلك غيري فما زال حتى قتله وفيه أنزل الله تعالى: {فَأَمَّا مَن طغى * وَآثَرَ الحياة الدنيا * فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى} [النازعات: 37-39] ثمّ جمعهم في الثواب فقال: {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار} وقرأ أهل مكة: من تحتها الأنهار وكذا هو في مصاحفهم {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم}.
قال الحسن بن الفضل: والفرق بينهما أن قوله: {تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار} معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله: تجري من تحتها أي ينبع الماء من تحتها ثمّ تجري من تحت الأشجار.
وروي في هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: «أين السابقون؟» قال معاذ: قد مضى ناس فقال: «السابقون المستهترون بذكر الله من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى» {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ} نزلت في مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانت منازلهم حول المدينة {وَمِنْ أَهْلِ المدينة} فيه اختصار وإضمار تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، أي مرّنوا وتربّوا عليه يُقال: تمرّد فلان على ربّه ومرد على معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ومنه: تمريد ومارد وفي المثل: تمرّد مارد وعزّ الإباق، وقال ابن إسحاق: لجّوا فيه وأبوا غيره، وقال ابن زيد وابان بن تغلب: أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون، وأنشد الشاعر:
مرد القوم على حيهم ** أهل بغي وضلال وأشر

{لاَ تَعْلَمُهُمْ} أنت يا محمد {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} قال قتادة في هذه الآية: ما بال أقوام يتكلّفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري أخبرني أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح عليه السلام: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112] وقال نبي الله شعيب عليه السلام: {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] وقال الله لنبيه عليه السلام: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} واختلفوا في هذين العذابين وروي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «أخرج يا فلان فإنك منافق. اخرج يا فلان فإنك منافق».
فأخرج من المسجد ناساً وفضحهم فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر.
وقال مجاهد: بالجوع وعذاب القبر، وعنه أيضاً: بالجوع والقتل وعنه بالجوع مرّتين، وعنه: بالخوف والقتل.
وقال قتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر، وفيه قصة الأثني عشر في حديث حذيفة.
وقال ابن زيد: المرّة الأولى المصائب في الأموال والأولاد، والمرة الأخرى في جهنم.
وقال ابن عباس: إن المرة الأولى إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر.
قال الحسن: إحدى المرتين أخذ الزكاة من أموالهم والأخرى عذاب القبر، فيقول تفسيره في سورة النحل {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ}.
وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم في الإسلام، ودخولهم من غير حسبة ثمّ عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ثمّ العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه.
وفي بعض التفاسير: الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر.
وقيل: تفسيره في سورة النحل {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب} [النحل: 88].
وقال مقاتل بن حيان: الأول بالسيف يوم بدر والثاني عند الموت.
معمر عن الزهري عن الحسن قال: عذاب النبي وعذاب الله. يعني بعذاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61]. قال عطاء: الأمراض في الدنيا والآخرة فإن من مرض من المؤمنين كفّر الله سيّئاته ومحض ذنوبه فأبدله لحماً من لحمه ودماً كثيراً من دمه وأعقبه ثواباً عظيماً، ومن مرض من المنافقين زاده الله نفاقاً وإثماً وضعفاً كما قال في هذه السورة: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ} يريد أنهم يمرضون في كل عام مرة أو مرتين فيردّون إلى عذاب عظيم شديد فظيع.
وقال الربيع: بلايا الدنيا وعذاب الآخرة ثم يردون إلى عذاب عظيم عذاب جهنم.
وقال إسماعيل بن زياد: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار، والثاني عند البعث يوكل بهم عتق من النار.
وقال الضحاك: مرّة في القبر ومرّة في النار، وقيل: المرّة الاولى بإحراق مسجدهم مسجد ضرار والثانية بإحراقهم بنار جهنم، وقيل: مرّة بإنفاق أموالهم ومرّة بقتلهم بالسيف إن أظهروا مافي قلوبهم.
{وَآخَرُونَ} يعني ومن أهل المدينة آخرون أو من الأعراب وليس براجع إلى المنافقين {اعترفوا} أقرّوا بك وبربّهم {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً} وهو إقرارهم وتوبتهم {وَآخَرَ سَيِّئاً} أي بعمل سيّء وضع الواو موضع الياء فكما يُقال: إستوى الماء والخبث أي بالخبث وخلطت الماء واللبن أي باللبن فالعمل السيء تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد {عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} وعسى ولعل من الله واجب وهما حرف ترجّ.
{إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نزلت هذه الآية في قوم كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا عليه وتذمموا، وقالوا: نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد والله لنوثقنّ أنفسنا بالقيود في أيدينا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا أو يعذبنا، وبقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بهم فرآهم فقال: مَن هؤلاء؟ قالوا: تخلّفوا عنك فعاهدوا الله ألاّ يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وتعذرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أقسم بالله لا أُطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين» فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم فلما أُطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها عنا وطهّرنا واستغفر لنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فأنزل الله عزّوجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية.
واختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو منية: منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجدام وأوس، كلّهم من الانصار.
وقال عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال آخرون: نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه. فقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته، وقد مضت القصة في سورة الأنفال. فندم وتاب فأقرّ بذنبه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
قال الزهري: نزلت في تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغشياً عليه فأنزل الله تعالى {وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} الآية فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلّني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلّهُ بيده، ثمّ قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أبرّ دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «يجزيك يا أبا لبابة الثلث».
قالوا جميعاً: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلث أموالهم وترك الاثنين لأن الله عزّ وجلّ قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ولم يقل: أموالِهم، فلذلك لم يأخذ كلها.
وقال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلّفوا {تُطَهِّرُهُمْ} من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالاً لاجواباً، أي خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكّية كقول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ** تجد خير نار عندها خير موقف

وقرأ مسلمة بن محارب: تطهرهم وتزكيهم بالجزم على الجواب، وقرأ الحسن: تطهرهم خفيفة من أطهر تطهير {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي تطهرهم، وقيل: تصلحهم، وقيل: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وقيل: هي أموالهم.
{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي استغفر لهم وادعُ لهم، وقيل: هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، والصلاة في اللغة الدعاء ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجبه فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصلِ» أي فليدع، وقال الأعشى:
وقابلها الريح في دنّها ** وصلّي على دنّها وارتسم

أي دعا لها بالسلامة والبركة.
وقال أيضاً:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ** يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا

عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ** نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا

{إِنَّ صلاوتك} قرأ أهل الكوفة: صلاتك على الواحد هاهنا وفي سورة هود والمؤمنين بإضماره.
أبو عبيد قال: لأن الصلاة هي من الصلوات، وروى ذلك عن ابن عباس، ألا تسمع الله يقول: {أَقِيمُواْ الصلاة} فهذه صلاة الأبد، والصلوات للجمع كقوله: صليت صلوات أربع وخمس صلوات، وقرأ الباقون كلها بالجمع واختاره أبو حاتم، قال: ومن زعم أنّ الصلوات من الصلاة لأن الجمع بالتاء قليل فقد غلط، لأن الله تعالى قال: {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله} [لقمان: 27] {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} [التحريم: 12] لم يرد القليل.
{سَكَنٌ لَّهُمْ} قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة: وقار لهم، وقال الكلبي: طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم، وقال معاذ: تزكية لهم منك، أبو عبيدة: تثبيت.
{والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال: «اللهم صلّ عليهم»، فأتيته بصدقتي فقال: «اللهم صلّ على أبي أوفى» قال ابن عباس: ليس هذا صدقة الفرض، إنما هو كصدقة كفارة اليمين، وقال عكرمة: هو صدقة الفرض. فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يذنبوا متخلّفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لايكلمون ولايجالسون فما لهم؟ فقال الله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} الآية ومعنى أخذ الصدقات. قبولها.
الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله عمله ولا يصعد إلى السماء إلاّ طيّب إلاّ كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم». ثم قرأ: {أنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ}، وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات} [البقرة: 276] إلى قوله: {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280].
وقال مجاهد: هذا وعيد لهم، وفي الخبر: لو أتى عَبَدَ الله في صخرة لا باب لها ولا كوّة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان.